حبر المدينة يحاسب
صفحة أولى كثيفة لا تترك فراغاً للزينة: عنوان نَسخي صارم، أعمدة متراصة، وحكم التحرير يظهر في الخط الأحمر الرفيع.
رأي التحرير
ليست الجريدة مرآة ساكنة، بل دفتر يومي يثبت ما جرى قبل أن يبدده الغبار. لذلك نطبع الخبر في أعمدة ضيقة، ونترك للحبر أن يحمل ثقل الشهادة.
كل سطر هنا محكوم بقاعدة، وكل قاعدة ترد الكلام إلى موضعه. لا لون يعلو على الورق إلا خط أحمر واحد، حين يحتاج الخبر إلى فصل لا إلى زينة.
ومن بيروت إلى الجبل والساحل، تأتي الرسائل قصيرة، متعبة، واضحة، كأنها قطعت الطريق على ظهر ورق خشن.
خبر اليوم
في الصباح الباكر ازدحم المرفأ بالعمال والكتبة، وارتفعت أصوات العد بين الصناديق. سجل الموظفون أسماء السفن القادمة، ثم عادوا إلى الدفاتر ذات الغلاف الأسود.
مصادر السوق تقول إن الورق ازداد ثمناً، وإن المطابع ستشد الحزام هذا الشهر. ومع ذلك يبقى العمود قائماً، لأن المدينة تحتاج إلى شاهد يومي.
تتوالى البرقيات من دمشق ويافا، مختصرة ومشدودة، فتدخل الصفحة كحجارة صغيرة في بناء عريض.
على الهامش
بين خبر وآخر تظهر علامات المطبعة: حبة حبر، انقطاع حرف، ظل صفحة مقابلة. هذه ليست أخطاء، بل أثر اليد والآلة حين تتفقان على سرعة الصباح.
يقرأ الناس من اليمين إلى اليسار، ويعودون إلى العنوان كما يعود الموج إلى الرصيف. الجريدة لا تبتسم، لكنها تفتح الباب لنهار كامل.
في آخر السطر، تبقى القاعدة السوداء ثابتة، وتحتها خيط أحمر لا ينسى.